الخميس , 14 ديسمبر 2017
الرئيسية » archive » عقاب يتحدى العاصفة !….

عقاب يتحدى العاصفة !….

عقاب يتحدى العاصفة !….


اسمع يا بني فسوف أحكي لك قصة بعضها من نسج الخيال لكنه واقع ليس فيه محال وبعضها من الواقع الذي صار أسطورة واقعية….
لقد نشأت بيني وبين العم نعمان مودة وصداقة برغم مما كان بيننا من فارق كبير في العمر!……
كنت في العاشرة. أركب القصب أحصنة فوق درب بين البساتين، وكان هو قد تجاوز السبعين، أصلع، برزت أذناه كبيرتين بعد ما تساقط شعره الأشيب… أما جبهته فتجعدت حتى غدت كحقل حرث فيه الزمن بسكته الخفية أثلاما متقاطعة!… وغارت عيناه في محجرين واسعين يفصلهما أنف مستقيم استقر فوق شاربين ما زالا يتمتعان بوقار كشاهدين على وسامة تلاشت بفعل خربشات الزمن….
كنت في ذاك المساء من شهر أيلول، واقفاً على سطح بيتنا أراشق بحصى نقيفتي باشقاً كان يحوم فوق رأسي باسطاً جناحيه، ويدور على ذاته مطمئناً، وهو ينظر إلي مستخفاً بي وبنقيفتي.
ورآني نعمان، وكان جالساً كعادته على عتبة باب بيته، يلف سيكارته بأصابعه التي تشبه مذراة عتيقة ألقيت منذ زمن بعيد فوق بيدر مهجور!…
وناداني قائلاً:
ماذا تفعل؟…. الباشق ابن عم العقاب…. هيا تعال لأحكي لك قصة العقاب الذي تحدى العاصفة!….
ونزلت من فوق السطح تاركاً الباشق يدور على نفسه فوق سطح بيتنا….
وعندما اقتربت منه تنحنح ثم سألني ألا تحب العقبان؟
طرح علي السؤال وهو ينظر فوق رأسه متأملاً دخان سيكارته ينساب ويتبدد كضباب شفاف… ثم نظر اليّ وقال: كان ذلك منذ زمن بعيد… يوم شاهدت العقاب لأول مرة يحوم فوق النخله ثم يحط فوق واحد من السعف ويربض مطمئناً ويتأمل ما تحته من اشجار كشاعر يحلم…
لقد احببت من الطيور اثنين العقاب لأنه رمز الشموخ والعنفوان والبلبل لأنه أكثر الطيور طرباً…
وفجأة رأيته ينشر جناحيه ويطير محلقاً بعيداً… فإلى أين؟ لم أعرف إلى أين؟ ولا كان ممكناً أن أعرف لكن غيبته لم تطل فقد عاد ذات مساء بعد بضعة أيام…. وكانت العاصفة قد بدأت تستعد وتزمجر في فضاء الحي.
وأخذت الأشجار تهتز وتتراقص وهي تتشبث في أماكنها…
شاهدته آتياً من بعيد. كان اشبه بغيمة سوداء انفردت عن مواكب الغيوم التي طلعت من فوق البحر وراحت تزحف مدفوعة بالرياح الباردة التي بدأت تعصف مزمجرة منذ الصباح الباكر كأنها نذير العاصفة.
وعندما وصل به المطاف إلى هنا. أخذ يدور على ذاته باسطاً جناحيه كشراع سفينة تلاطم الأمواج جانبيها وحسبته مارداً وهو يهبط من بين غمامتين مرتا به… وكأنه خشي أن تغشاه منهما كدرة مفاجئة فنفض جناحيه يضرب بها أطراف الغمامتين فيحدث فيهما اضطرابا وتموجاً….
وسرعان ما رأيته يهبط من فوق السطح…
وعندما تابع العم نعمان حديثه: أخذت الناي وجلست على عتبة الباب ورحت أعزف لحناً. طالما عرفته من قبل وطالما جذب الطيور والعصافير والهررة وكل حيوان أليف من هنا يمر أثناء العزف.
ولكم دهشت عندما رأيته يحمل بمنقاره شيئأ لم اتبينه لأول وهلة.. وزادت دهشتي عندما عرفت أن الذي في منقاره كان كتاباًً.
في هذا الكتاب تعلمت رواية القصص والحكايات وكثيرا من الحكم والأمثال. ويجب أن تعلم كل ما حكيته لك وما رويته في الليالي الممطرة حول النار في الموقد قرأته من هذا الكتاب!…
كان “نعمان” ولقبه أبو عساف يتكلم كمعلم يلقي درساً على تلميذ مجتهد وأنا أصغي، وأتأمله… وكم من مرة حلقت بعيداً بخيالي مع عقابه الأسطوري…
كلمات كثيرة نطق بها لم أفهمها يوم ذاك فقلت أسأله عن بعضها ومع أنني لم أصدق حكاية الكتاب فقد سألته: وأين هو هذا الكتاب؟!…
فقال: هل تشك بقصتي؟! إنه هناك في الصندوق
فقلت: أعجبتني القصة لهذا أحب أن أراه.
فأجابني: غداً يكون لك فأنا أوصيت به لك وأنت سترثني وستكون رواية الحي بيدي لكن لي رجاء عندك
فقلت: ما هو؟
أجاب: غداً عندما تحكي أي قصة مما حكيت لك اتمنى ان تبدأ الحديث: كان يا ما كان….. حدثنا العم نعمان!….
كان العم نعمان قد اعتاد منذ طفولته، على النهوض باكراً من النوم والجلوس على عتبة الباب ليستقبل هكذا طلوع الفجر من خلف الجبال ويستمع بشغف إلى صياح الديك وزقزقة العصافير وكان منظر النخلة العالية في ” جل” البلح يستهويه أكثر من أي شجرة من الأشحار التي تحيط بيته.
وكثيراً ما كان يكلم هذه الشجرة ويطرح عليها السؤال بعد السؤال… وكم فاجأها شاكياً لها همومه ومعاناته في الحياة ومع الناس… وكم تمنى أن يتسلقها كما كان يفعل وهو صغير ليجلس في عبها وينظر إلى البساتين والمارة فوق الدروب حيث قطعان الغنم ترعى على الجانبين.
وفي ذات يوم جاء من يقول له: غداً سيقتلعون الأشجار ويبنون ثلاث عمارات!…
فأجاب بلهجة ملؤها الأسى: يعني أن بيروت ستزحف… باطل…. خرب الحي!…
ولما سألته زوجته: وما يضرك أنت؟ أجابها محتداً: اخرسي يا حرمة هذا مش عمار…..
ولما سألته ذات مساء وكانت الجرافة تقتلع الأشجار في “جل الرمان” أأنت حزين إلى هذا الحد؟ أجابني متنهداً: ألا تعلم؟ مع رحيل الأشجار سترحل الطيور والعقاب سيكون أول الراحلين… فقلت له: أنت تخاف أن يرحل أهل الحي وعندها سترحل برحيلهم السهرات والحكايات ولآمر ما لم أقل له : ومع رحيل الحكايات لن أجد سبباً يدعوني إلى القول: كان يا ما كان حدثنا العم نعمان!…
وفي ذات صباح، وكانت امرأته في مد البقر وكان العم نعمان ما يزال على غير عادته نائماً في فراشه. سمعت ضجة في “جل البلح” وعندما أطلت من الشباك رأت النخلة العالية تهتز وتتمايل ومالت الجرافة تنطح جذعها بإصرار وعناد فنادت يا نعمان ولكنها لم تسمع جوابا فأسرعت إلى حيث كان نائماً ومدت يدها لترفع الغطاء لكن صراخها سبقها مختلطاً بصوت الريح الذي انبعث في تلك اللحظة من جراء سقوط النخلة على الأرض…
مات العم نعمان كما يموت سائر الناس لكن مأتمه كان غير المآتم فكل الذين مشوا خلف نعشه رفعوا رؤوسهم إلى السماء العالية حتى دخل المشيعون بوابة المقابر!…
وعندما أدخل التابوت إلى المقبرة انطلق فجأة كالعاصفة وراح يشق الغيوم في طريقه إلى قمم الجبال العالية….
أجل يا بني ها أنا بعد أربعين سنة أتذكر أنني وعدت ذات يوم العم نعمان أن افتتح كل قصة أرويها في سهرات الشتاء: كان يا ما كان… حدثنا العم نعمان عن العقاب الذي تحدى العاصفة.
لكن تلك السهرات رحلت وهي أيضا ولم يعد في “حينا” من يرغب في سماع تلك الحكايات ومع ذلك فلن أنسى كان يا ما كان… وسأظل أروي قصة العقاب الذي تحدى العاصفة……

قصة قصيرة
من وحي سقي حارة حريك
أيام زمان

شاهد أيضاً

138 من براعم كشافة الامام المهدي “عج” تعرفوا على مركز المطالعة والتنشيط الثقافي

زار 138 من براعم كشافة الامام المهدي “عج” مركز المطالعة والتنشيط الثقافي في بلدية حارة …

اترك تعليقاً